الشيخ محمد رشيد رضا
19
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فيعطون من مال الأمة ما أرادوا لمن أرادوا ، ويسلبون من أموال الرعية ما أحبوا فينفقونه على من أحبوا ، ويحكمون من شايعهم - على ظلمهم - في أنفس الخاضعين لحكمهم ، ولا يشايعهم إلا من كان فاسد الأخلاق سىء الأعمال يؤثر هواهم على رضوان اللّه - إن كان يفكر في رضوان اللّه أو يؤمن به - وعلى مصلحة الأمة . فما يتمتع به أعوان الظالمين من المال والجاه بالباطل وما يناله أشياعهم من منافع شفاعتهم كل ذلك في حكم اللّه وشرعه من الشقاء لا من السعادة . أفعلى حكم هؤلاء الظالمين ، نقيس حكم رب العزة في يوم الدين ؟ أين نحن إذا من قوله ( 21 : 47 وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً . وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ) إذا خفى شقاء هؤلاء الملوك وأشياعهم على الجاهل في طور الاملاء والاستدراج . فإنه لا يخفى على أهل العلم بسنن اللّه في الخلق ويعرف ذلك كل أحد يوم يأخذهم اللّه بظلمهم ، ويسلط عليهم من يسلب ملكهم ، وتشقى بهم الأمة التي رضيت بأحكامهم . فهل يشبه اللّه تعالى بهؤلاء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ؟ سبحان ربك رب العزة عما يصفون * أقول : لا يبعد أن يكون في قوله تعالى بعد نفى الخلة والشفاعة وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ تعريض بهؤلاء الملوك الذين يمنحون بالشفاعة غير المستحق ويمنعون المستحق ويعاقبون بها البرىء ويعفون عن المجرم ، والمراد بالكافرين الكافرون بالنعم بقرينة السياق وهم الذين لا ينفقون في سبل البر والخير . وقد قصر الظلم عليهم كما أفادت الجملة المعرفة الطرفين تشنيعا لحالهم ، كأن كل ظلم غير ظلمهم ضعيف لا يعتد به لأنهم ظلموا أنفسهم ودنسوها برذيلة البخل ومنع الحق وظلموا الفقراء والمساكين وغيرهم من الأصناف الذين فرضت لهم الصدقة بمنعهم مما فرض اللّه لهم وظلموا الأمة باهمال مصالحها المعبر عنها بسبيل اللّه . وإن أمة يؤدى أغنياؤها ما فرض اللّه عليهم لفقرائها ولمصالحها العامة لا تهلك ولا تخزى . ولا شئ أسرع في إهلاك الأمة من فشو البخل ومنع الحق في أفرادها . وأقول : إن هذا الكفر والظلم مما يتهاون فيه المسلمون في هذه الأزمنة وفي أزمنة قبلها لظنهم أن جميع ما في القرآن من وعيد الكافرين يراد به الكافرون